الراغب الأصفهاني
242
الذريعة إلى مكارم الشريعة
تعلمه . وحق من هو بصدد تعلم علم من العلوم أن لا يصغى إلى الاختلافات المشككة والشبه الملتبسة ما لم يتهذب في قوانين ما هو بصدده لئلا تتولد له شبهة تصرفه عن التوجه فيه فيؤدي ذلك به إلى الارتداد ، ولذلك نهى اللّه تعالى من لم يكن قد تقوى في الإسلام عن مخالطة الكفار فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا « 1 » وقال تعالى : وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً « 2 » ومن أجل ذلك كره للعامة أن يجالسوا أهل الأهواء والبدع لئلا يغووهم فالعامي إذا خلا بذوي البدع كالشاة إذا خلا بها السبع ، وقال بعض الحكماء إنما حرم اللّه تعالى في الابتداء لحم الخنزير لأنه أراد تعالى أن يقطع العصمة بين العرب وبين الذين كانوا يشككونهم في دينهم باجتماعهم معهم من اليهود والنصارى ، فحرم على المسلمين ذلك إذ هو معظم مأكولاتهم ، وعظم الأمر في تناوله ومسه لينتهي المسلمون عن الاجتماع معهم في المواكلة والانس وقال عليه السّلام في المؤمن والكافر : « لا تتراأى ناراهما » « 3 » لذلك فأما الحكيم فإنه لا بأس بمجالسته إياهم فإنه جار مجرى سلطان ذي عدة وأجناد وعتاد لا يخاف عليه العدو حيث ما توجه ولهذا جوز له الاستماع إلى الشبهة بل أوجب عليه أن يتتبع بقدر جهده كلامهم ويسمع شبههم ليجاهدهم ويدافعهم ، والعالم أفضل المجاهدين الذابين عن الدين ، « 4 » فالجهاد جهادان جهاد بالبنان وجهاد بالبيان ولما تقدم سمّى اللّه تعالى الحجة سلطانا في غير موضع من كتابه كقوله تعالى
--> ( 1 ) آل عمران / 118 . ( 2 ) المائدة / 77 . ( 3 ) قال عنه العراقي في الإحياء : رواه أبو داود والترمذي من حديث جرير « أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين . قالوا : يا رسول اللّه ولم ؟ قال لا تراأى ناراهما » رواه النسائي مرسلا ، وقال البخاري : الصحيح أنه مرسل . ( 4 ) « الذابين عن الدين » سقطت من ط .